حاتم
( قصة صديق )
في ذكرى وفاته السابعة عشر
===================
سريعا ما عادت بى ذاكرتى الى الوراء
بعيدا ....حيث لم أكمل بعد اشبارى الخمسة
لا زلت اتذكر جيدا
هناك ... فى الصباح الباكر
التقيت بهذا الطفل القادم من القرية
لا زالت اثار النعاس بادية على وجهه وعينيه
اهلا ... ثم سلام فاتر
التفت الينا المعلم المرافق لنا فى طريقنا الى احدى المسابقات التعليمية
بالصف الخامس الابتدائى
وخاطبنا قائلا... شبكا ايديكما
حرصا منه على سلامتنا فى المرور وعبور الطريق
همست اليه سائلا
ما اسمك
قال حاتم
كانت هذه اولى كلماتى معه
وبداية تعرفى عليه
ارتاحت اليه نفسي شيئا ما
لكن لم يكن امامنا الكثير من الوقت لمزيد من التعارف والوصال
افترقنا سريعا كما التقينا سريعا كذلك
مرت الايام
ثم اذا بى التقى به ثانية في مطلع الصف الاول الاعدادى
فى الاختبارات المنعقدة للالتحاق بالازهر الشريف
سعدت جدا بلقائه
وتجاذبنا اطراف الحديث حول طموحاتنا من الدراسة الازهرية
كان سهل الحديث سمح الطباع
لا تزال براءة الاطفال تغلب على قوله وتصرفه
ولم يمض الكثير من الوقت حتى اجتاز كلانا الاختبارات المقررة
والتحقنا بالازهر الشريف
انتظم صديقى بفصول الاحناف
بينما انتظمت على خلاف ارادتى بفصول المالكية
انزعجت لذلك كثيرا
فلقد سبق لوالدى - رحمه الله - اقناعى بالمذهب الحنفى
والذى اعتمده لنفسه مذهبا وطريقا
واطلعنى على بعض اصوله ومسائله.....
لم اصبر كثيرا على ذلك
حتى انتقلت الى فصول الاحناف
وقد اخذ الطلاب ادراجهم واماكنهم
ولم يبق لى مكان فيما بينهم
لكن صديقى كان جالسا هناك فى مؤخرة الصف
ما أن رانى حتى افسح لى بجواره
وليس فى جواره متسع ولا مضيق
مضت ايامى رويدا رويدا مثقلة بهمومى واوجاعى
حتى هممت ان اترك دراستى الازهرية بعد طول شوق اليها
ولولا حزم ابى معى لكان من امرى غير ما كان
دارت الايام دورتها وقد طوت صديقى صفحات النسيان
ولم يبق بيننا غير تسليمات باردة وفتور
مضت المرحلة الاعدادية على ذلك
وتبعتها المرحلة الثانوية
والتى قضيناها فى ذات معهدنا الديني
حتى كان الصف الرابع الثانوى
التقيت مرة اخرى بصديقى فى مقعد واحد
وقد فصلنا عن مقعدنا الاول ما يربو على الخمس سنوات
لقد تغيرت الوجوه والاجساد
فلم يعد مراهقو اليوم كاطفال البارحة
لم احتفظ كثيرا بمشاعر الود التى كانت ىيننا
لكن صديقى كان على خلاف ذلك
فلطالما قابلنى بقلب ودود ووجه بشوش
على ما كان منى احيانا من صد وفتور
كنت ارى فى نفسى تفوقا عليه
ومسافة بيننا لا يقوى على قطعها وصولا الى او اقترابا منى
لكنه استطاع ان يثبت فى هدوء وثبات
سذاجة افكارى وجهل توهمى
ولغرامه بلسان العرب
استطاع ان يثير انتباه معلمى اللغة العربية واعجابهم
واثار فى الوقت ذاته عندى مشاعر الغيرة والمنافسة
انتهت الشهادة الثانوية
وقد احرزت المركز الاول على مستوى المحافظة
واحرز صديقى المركز الثانى
متفوقا بذلك على من كنا نظن فيهم تفوقهم عليه
واكمل صديقى طريق بحثه فى لغة القران
ملتحقا بكلية اللغة العربية بمدينة جرجا
كان اختياره محل انتقادنا جميعا
فلقد شاع بيننا ان الحاذقين يخرجون منها لا لهم ولا عليهم
لكنه يثبت ثانية جهل اوهامنا وفساد فكرى
فلقد استطاع فى عامه الجامعى الاول
ان يحرز المركز الاول بتقدير نجاح جيد جدا
تناقل الناس اخباره فى القرية والمدينة
من هذا القادم الجديد
الذى يكتب بنور نبوغه على ظلمات فشل الاخرين
ما افاق الناس من دهشتهم الاولى حتى ادهشهم ثانية
بنجاحه المتوالى فى عامه الثانى
محرزا المركز الاول بتقدير امتياز
حيث يتفاخر الناجون منها بنجاحهم غير عابئين بتميز ولا تقدير
طارت اخباره بين الناس
انه حاتم
نابغة اللغويين فى المستقبل
ولكن ......
عن اى مستقبل تتحدثون
لقد مات حاتم
مات وما لبثت فرحة نجاحه تفارق شفتيه
مات وما انقطعت وفود التهانى حتى خالطتها وفود المعزيين
مات ولا زالت ضحكاتنا تتردد بين جنبات بيته
محتفلين بفرحة نجاحه وتفوقه
حقا ان الموت لنقاد
ولقد ظننت انه صدق فيه قول القائل
ان العين لحق وان العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر
لقد كان رجلا من خيرة الرجال
ما ترك صياما ولا صلاة
ذاكرا قارئا للقران محبا له ولاهله
ذكر لى يوما
انه عند قراءته للقران فى بيته
يرتفع صوته بالقراءة حينا
فيذكر خشية الرياء والسمعة فيخفض صوته
ثم يذكر تحصين البيت وبركة الذكر فيرفع صوته
ولا يزال يتردد بين هذا وذاك حتى يتم قراءته
وما ادرك ايهما قد اصاب وايهما قد اخطا
ترددت عل بيته حال حياته
وقد انتصب شابا فتيا يضحك لضحكاته ويختال لتميزه
فلما مات حاتم شاخ بيته فجاة
هاتفنى قبل موته بفليل
معاتبا لي لعدم سؤالى عليه لايام مضت
تحججت كاذبا له بانشغالى رغم تفرغى
واعدا اياه بزيارتى له عقب عودتى من مدينة اسيوط
فى سفر لانهاء بعض اجراءات التسكين الجامعى
فلما رجعت
وجدت نفسى واقفا امام بيت غير بيته الذى الفت
اناديه فلا يجيب نداءى
حاتم
وعدتك بزيارتك فى بيتك
فمالى ارانى اليوم واقفا امام مثواك الاخير
فجعت فيك يا حاتم
فلقد حييت حريصا على وصالى
حين تهاونت كثيرا فى حقوق صداقتنا
رجوت لقائى حيا
فبخلت به عليك حيا وميتا
ما زرتك قبل وفاتك ولا شيعتك حينها
ثم اين انا بعد ذلك
حزنت لفقدك
ترحمت لموتك
زرتك مرة او اثنتين او ثلاثا
ثم ماذا بعد
لقد عدت لسابق عهدى من الجفاء والفتور
ما عدنا نذكرك الا قليلا بل وقليلا جدا
مضت سنوات على موتك
ورايتك فى منامى يوما ما
تلاحقنى فى بعض بنايات المدينة الجامعية
اصعد فاجدك تجاهى
فافزع لذلك واهرع الى الاسفل
فاجدك تجاهى كذلك
وبعد صعود وهبوط
استوقفتنى لتقول لى
لا تفزع
لقد اشتقت الى رؤياك
فجئت لزيارتك
حياك الله حيا وميتا
لقد كنت دوما واصلا للرحم
حين قطعها الاخرون
سامحنى صديقى
فما انا بموف حقك يوما ما
لعلنا نلتقى مرة اخرى فى عالم افضل
حيث لا مكان هناك لقطيعة الارحام
صديق دنياك
بقلم / محمد القاضى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق